ابن ميثم البحراني

112

شرح نهج البلاغة

فإن قلت : حصر تخلَّف جرير في هذين المانعين غير صحيح لجواز أن يتخلَّف لمرض أو موت أو غرض آخر . قلت : إنّه عليه السّلام لم يقصد الحصر اليقينيّ وإنّما أراد الحصر بحسب غلبة الظنّ الناشئ من الأمارات والقرائن الحاليّة ثمّ كلامه عليه السّلام ليس في الأسباب الاضطراريّة الَّتي من قبل اللَّه تعالى فإنّ ذلك أمر مفروغ منه لا يحسن ذكره ، وأمّا الموانع الاختياريّة فأمّا منهم وغالب الظنّ هو الخداع ، وأمّا منه وغالب الظنّ أنّه العصيان إذ لا يتصوّر من مثل جرير وقد أرسل في مثل هذا الأمر المهمّ أن يعدل عنه إلى شغل اختياريّ لنفسه أو لغيره إلَّا أن يكون عاصيا . وقوله : والرأي مع الأناة . رأى حقّ أجمع الحكماء على صوابه فإنّ إصابة المطالب والظفر بها في الغالب إنّما هو مع التثبّت والتأني في الطلب ، وذلك أنّ أناة الطالب هي مظنّة فكره في الاهتداء إلى تلخيص الوجه الأليق والأقيس والأشمل للمصلحة في تحصيل مطلوبه ، ولذلك أكَّد بعض الحكماء الأمر بالتأنّي بقوله : من لم يتثبّت في الأمور لم يعد مصيبا وإن أصاب . فالغرض وإن كان هو الإصابة إلَّا أنّها وإن حصلت من غير التأنّي كان مفرطا وثمرة التفريط غالبا الندامة وعدم الإصابة ، والإصابة منه نادرة والنادر غير منتفع به ولا ملتفت إليه . وقوله : فأرودوا ولا أكره لكم الإعداد . لمّا نبّههم على فضيلة الأناة أمرهم بها وإن لم يأمرهم مطلقا بل نبّههم بقوله : ولا أكره لكم الإعداد على أمور ثلاثة : أحدها : أنّه ينبغي لهم أن يكونوا على يقظة من هذا الأمر حتّى يكونوا حال إشارته إليهم قريبين من الاستعداد . الثاني : أن لا يتوهّم أحد منهم فيه مداخلة ضعف عن مفارقة أهل الشام فيداخلهم بسبب ذلك فشل وضعف عزيمة . الثالث : ذكر شارح ابن أبي الحديد هو أنّه عليه السّلام وإن كان كره الاستعداد